أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
86
العقد الفريد
ومن صلاتي في صباح ومسا * فعد على شيخ كبير ذي انحنا يكفيه ما لاقاه في الدّنيا كفى قلنا له : يا أبا الزهراء ، ما تأمرنا في القوس والأتان ، وفيما قسم اللّه لك عندنا من رزق ؟ فقال : يا ابن أخي ، أما ما قسم اللّه لي عندكم فمردود إليكم ، وأما القوس والأتان فبيعوهما وتصدقوا بثمنهما في فقراء صلبة « 1 » بني تميم ، وما بقي في مواليهم . ثم جعل يقول : اللهم اسمع دعاء عبدك إليك ، وتضرعه بين يديك ، واعرف له حق إيمانه بك ، وتصديقه برسلك ، صليت عليهم وسلمت ؛ اللهم إني جان مقترف وهائب معترف ، لا أدعي براءة ، ولا أرجو نجاة إلا برحمتك إياي ، وتجاوزك عني ؛ اللهم إنك كتبت على الدنيا التعب والنصب ، وكان في قضائك ، وسابق علمك قبض روحي في غير أهلي وولدي ، اللهم فبدل لي التعب والنصب روحا وريحانا وجنة نعيم ؛ إنك مفضل كريم . ثم صار يتكلم بما لا نفقهه ولا نفهمه حتى مات ، رحمه اللّه ؛ فما سمعت دعاء أبلغ من دعائه ، ولا شهدت جنازة أكثر باكيا وداعيا من جنازته ؛ رحمه اللّه . وقال أعرابي يصف كساء : من كان ذا بتّ فهذا بتّي * مقيّظ مصيّف مشتي « 2 » نسجته من نعجات ست وقال أعرابي : قالت سليمى : ليت لي بعلا بمن * يغسل رأسي ويسلّيني الحزن « 3 » وحاجة ليس لها عندي ثمن * مشهورة قضاؤها منه وهن « 4 » قلن جواري الحيّ : يا سلمى وإن * كان فقيرا معدما ؟ قالت وإن ! وقال أعرابي : جاريتان حلفت أمّاهما * أن ليس مغبونا من اشتراهما
--> ( 1 ) أي من أصلابهم . ( 2 ) البتّ : كساء غليظ من صوف أو وبر . ( 3 ) المنّ : كيل أو ميزان . ( 4 ) الوهن : قريب من منتصف الليل .